فخر الدين الرازي

45

تفسير الرازي

يدل على أنهم فعلوا كل ما كانوا مأمورين به ، وذلك يدل على عصمتهم عن كل الذنوب . فإن قالوا : هب أن هذه الآية تدل على أنهم فعلوا كل ما أمروا به فلم قلتم إنها تدل على أنهم تركوا كل ما نهوا عنه ؟ . قلنا : لأن كل ما نهي عن شيء فقد أمر بتركه ، وحينئذ يدخل في اللفظ ، وإذا ثبت بهذه الآية كون الملائكة معصومين من كل الذنوب ، وثبت أن إبليس ما كان معصوماً من الذنوب بل كان كافراً ، لزم القطع بأن إبليس ما كان من الملائكة . والوجه الثاني : في بيان هذا المقصود أنه تعالى قال في صفة الملائكة : * ( وهم لا يستكبرون ) * ثم قال لإبليس : * ( استكبرت أم كنت من العالين ) * ( ص : 75 ) وقال أيضاً له : * ( فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها ) * ( الأعراف : 13 ) فثبت أن الملائكة لا يستكبرون وثبت أن إبليس تكبر واستكبر فوجب أن لا يكون من الملائكة وأيضاً لما ثبت بهذه الآية وجوب عصمة الملائكة ، ثبت أن القصة الخبيثة التي يذكرونها في حق هاروت وماروت كلام باطل ، فإن الله تعالى وهو أصدق القائلين لما شهد في هذه الآية على عصمة الملائكة وبراءتهم عن كل ذنب ، وجب القطع بأن تلك القصة كاذبة باطلة والله أعلم . واحتج الطاعنون في عصمة الملائكة بهذه الآية فقالوا : إنه تعالى وصفهم بالخوف ، ولولا أنهم يجوزون على أنفسهم الإقدام على الكبائر والذنوب وإلا لم يحصل الخوف . والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى منذرهم من العقاب فقال : * ( ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ) * ( الأنبياء : 29 ) وهم لهذا الخوف يتركون الذنب . والثاني : وهو الأصح أن ذلك الخوف خوف الإجلال هكذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما ، والدليل على صحته قوله تعالى : * ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) * ( فاطر : 28 ) وهذا يدل على أنه كلما كانت معرفة الله تعالى أتم ، كان الخوف منه أعظم ، وهذا الخوف لا يكون إلا خوف الإجلال والكبرياء والله أعلم . المسألة الثانية : قالت المشبهة قوله تعالى : * ( يخافون ربهم من فوقهم ) * هذا يدل على أن الإله تعالى فوقهم بالذات . واعلم أنا بالغنا في الجواب عن هذه الشبهة في تفسير قوله تعالى : * ( وهو القاهر فوق عباده ) * ( الأنعام : 18 ) والذي نزيده ههنا أن قوله : * ( يخافون ربهم من فوقهم ) * معناه يخافون ربهم من أن ينزل عليهم العذاب من فوقهم ، وإذا كان اللفظ محتملاً لهذا المعنى سقط قولهم ، وأيضاً يجب حمل هذه الفوقية على الفوقية بالقدرة والقهر كقوله : * ( وإنا فوقهم قاهرون ) * ( الأعراف : 127 ) والذي يقوي هذا الوجه أنه تعالى لما قال : * ( يخافون ربهم من فوقهم ) * وجب أن يكون المقتضى لهذا الخوف هو كون ربهم فوقهم لما ثبت